العيني

254

عمدة القاري

رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة ، فقال بعضهم : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، وقال بعضهم : الماء من الماء . فقال عمر : قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار ، فكيف بالناس بعدكم ؟ فقال علي بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين ! إن أردت أن تعلم ذلك فأرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاسألهن عن ذلك : فأرسل إلى عائشة فقالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل . فقال عمر عند ذلك لا أسمع أحداً يقول : الماء من الماء ، إلاَّ جعلته نكالاً قال الطحاوي : فهذا عمر قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ذلك عليه منكر وادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين ، وفيه نظر ، لأن الخطابي قال : قال به جماعة من الصحابة ، فسمى بعضهم : ومن التابعين الأعمش ، وتبعه القاضي عياض : ولكنه قال : لم يقل به أحد من بعد أصحابه غيره ، وفيه نظر ، لأنه قد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وهو في ( سنن أبي داود ) بإسناد صحيح حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الماء من الماء ) وكان أبو سلمة يفعل ذلك ، وعند هشام ابن عروة عن عبد الرزاق وعنده أيضاً عن أبي جريح عن عطاء أنه قال : لا تطيب نفسي حتى اغتسل من أجل اختلاف الناس لآخذ بالعروة الوثقى . بسم الله الرحمان الرحيم 6 ( ( كتاب الحيضِ ) ) أي : هذا كتاب في بيان أحكام الحيض . ولما فرغ مما ورد في بيان أحكام الطهارة من الإحداث أصلاً وخلفاً ، شرع في بيان ما ورد في بيان الحيض الذي هو من الأنجاس ، وقدم ما ورد فيه على ما ورد في النفاس لكثرة وقوع الحيض بالنسبة إلى وقوع النفاس . والحيض في اللغة السيلان ، يقال حاضت السمرة ، وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم ، ويقال : الحيض لغة الدم الخارج يقال : حاضت الأرانب ، إذا خرج منها الدم وفي ( العباب ) التحييض التسييل ، يقال حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً ومحيضاً . وعن اللحياني : حاض وجاض وحاص ، بالمهملتين ، وحاد كلها بمعنى : والمرأة حائض ، وهي اللغة الفصيحة الفاشية بغير تاء ، واختلف النحاة في ذلك ، فقال الخليل : لما لم يكن جارياً على الفعل كان بمنزلة المنسوب بمعنى حائضي ، أي : ذات حيض ، كدراع ونابل وتامر ولابن ، وكذا طالق وطامت وقاعد للآيسة أي : ذات طلاق ومذهب سيبويه أن ذلك صفة شيء مذكر أي شيء أو إنسان أو شخص حائض . ومذهب الكوفيين أنه استغنى عن علامة التأنيث لأنه مخصوص بالمؤنث ، ونقض : بجمل باذل ، وناقة بازل ، وضامر فيهما . وإما معناه في الشرع فهو : دم ينفضه رحم امرأة سليمة عن داء وصغر ، وقال الأزهري : الحيض دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة من قعر الرحم وقال الكرخي : الحيض دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه ، وقيل : هو دم ممتد خارج عن موضع مخصوص ، وهو القيل ، والاستحاضة ، جريان الدم في غير أوانه ، وقال أصحابنا : الاستحاضة ما تراه المرأة في أقل من ثلاثة أيام أو على أكثر من عشرة أيام . وقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى : * ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيضِ قُلْ هُوَ أذىً فَاعَتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ إلى ) * قوله : * ( وَيُحِبُ المُتَطَهِّرِينَ ) * ( سورة البقرة : 222 ) قول الله بالجر ، عطفاً على قوله : الحيض المضاف إليه لفظ ، كتاب ، وسبب نزول هذه الآية ما رواه مسلم من حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه : ( أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : * ( ويسألونك عن المحيض ) * ( سورة البقرة : 222 ) الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( افعلوا كل شيء إلاَّ النكاح ) وقال الواحدي : السائل هو أبو الدحداح ، وفي مسلم أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر قالا بعد ذلك ، أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحديث ، وهذا بيان للأذى المذكور في الآية وقال الطبري : سمي الحيض أذىً لنتنه وقذره ونجاسته وقال الخطابي : الأذىً المكروه الذي ليس بشديد كما قال تعالى : * ( لن يضروكم إلاَّ أذَىً ) * ( سورة آل عمران : 111 ) فالمعنى أن المحيض أذىً يعتزل من المرأة بوضعه ، ولكن لا يتعدى ذلك إلى بقية بدنها . قالوا : والمراد من المحيض الأول الدم ، وأما الثاني فقد اختلف فيه أهو نفس الدم أو زمن الحيض ،